
قري ميدوم ضاقت الأرض بها والسماء هجرتها
بقلم/ أمل أبوالعزايم رجب
-في قلب ريف محافظة بني سويف، وتحديدًا في مركز الواسطي، تقع قرية ميدوم، تلك القرية التي تحولت من بقعة زراعية واعدة ومنطقة أثارية فرعونية إلى عنوانٍ صريح للمعاناة البيئية والإنسانية، نتيجة غياب أبسط حقوق الحياة الكريمة (خدمة الصرف الصحي).
يعاني أهالي ميدوم يوميًا من تسرب مياه الصرف الصحي في الشوارع، وبين المنازل، بل وحتى في مقابر الموتى، التي لم تسلم من الغرق ،هذا الواقع الصادم ليس نتاجًا لحادث طارئ أو أزمة مؤقتة، بل نتيجة تجاهل مزمن لمطالب الأهالي، وعجز في البنية التحتية، وغياب الرقابة والعدالة في توزيع الخدمات.
فالمياه التي تتسرب من الأراضي الزراعية المحيطة بالقرية والتي ترتفع عن ميدوم وجدت طريقها إلى مقابر الموتى، فامتلأت بالمياه ، فلم يسلم الأحياء ولا حتي الموتى ، وللأسف، لم يكن أمام الأهالي سوى حلول بدائية، مثل إنشاء مجرى مائي مؤقت لمحاولة تصريف المياه بعيداً عن المقابر، في مشهد يعكس العبث والعجز المؤسسي.
ما يحدث في ميدوم لا يُعد فقط تقصيرًا خدميًا، بل كارثة بيئية وصحية متكاملة الأركان. فانتشار مياه الصرف في الشوارع وبين البيوت خلق بيئة خصبة للحشرات والأمراض، مما يهدد حياة الأهالي، كبارًا وصغارًا، دون أي تحرك فعلي من المسؤولين.
والسؤال الذي يفرض نفسه:
لماذا لم تحظَ قرية ميدوم حتى الآن بشبكة صرف صحي كباقي القرى المجاورة؟
ميدوم قرية أثارية فرعونية وثروة قومية لم يتم أستغلالها ،ولن نغوص في تفاصيل مَن هم أهالي ميدوم ومدي عراقة أصولهم ، فليس من الضروري أن يكونوا في صدارة المشهد السياسي أو الإعلامي، إنهم ببساطة أرواح مكرمة تبحث عن حياة آدمية، عن بيئة نظيفة، عن معاملة تليق بكونهم مواطنين مصريين لهم من الحقوق ما لغيرهم.
أليست الحياة الكريمة من أبسط الحقوق التي كفلها الدستور؟
أليس من حق أبناء ميدوم أن يشعروا بالأمان في بيوتهم؟
وأن يسير أطفالهم إلى المدارس دون أن يعبروا مستنقعات الصرف؟
مقارنة موجعة… ومفارقة قاسية
في الوقت الذي أعلن فيه وزير الطيران عن تخصيص 300 مليون جنيه لتطوير حمامات مطار القاهرة ، وهو تطوير لا يعترض عليه أحد ،
لا يسعنا إلا أن نتساءل:
ألا يمكن تخصيص جزء بسيط من هذا المبلغ لحل أزمة حياة آلاف البشر في قرية ميدوم؟
هل أصبحت أولويات الإنفاق العام تُقاس بالمظاهر لا بالاحتياجات الإنسانية.
اليأس بدأ يتسلل إلى نفوس الأهالي، والشعور بالغربة داخل الوطن بات يثقل كاهلهم. يشعرون وكأنهم يعيشون خارج حدود مصر، لا تُدرج قريتهم في خطط التطوير، ولا يُذكر اسمها في مشروعات التنمية، وكأنهم غير مرئيين.
ما تطالب به ميدوم ليس ترفًا، بل حقًا أصيلًا، وواجبًا على الدولة ألا تغفله.
التنمية الحقيقية تبدأ من الأطراف، من القرى والمناطق المنسية، لا من المطارات فقط.
فهل ستصل صرخة ميدوم إلى من يملك القرار؟
أم ستبقى القرية تغرق في الصمت كما تغرق في الصرف.





